أبي منصور الماتريدي
355
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
قوله تعالى : [ سورة القيامة ( 75 ) : الآيات 36 إلى 40 ] أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ( 36 ) أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ( 37 ) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ( 38 ) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ( 39 ) أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ( 40 ) وقوله - عزّ وجل - : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً . جائز أن يكون هذا الإنسان دهري المذهب ؛ فيكون قوله : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ على حقيقة الحسبان ؛ لأنه يحسب أن لا بعث ولا حساب ، وقد كان في أهل مكة من هو دهري المذهب ، وإن كان الخطاب في قوله « 1 » : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ليس على تحقيق الحسبان ، ولكن معناه : أيفعل فعل من يؤذن عن أمره ، كان فعله موافقا لفعل من يحسب أنه يترك سدى ؛ كما ذكرنا في قوله : بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ [ القيامة : 5 ] ، وهو لا يريد أن يكون فاجرا في الحقيقة ؛ ولكن يفعل فعل من يعقب فعله الفجور ، وهو كقوله : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [ ص : 27 ] ، وليس على حقيقة الظن ؛ ولكن إذا لم يقل بالبعث ، ولم يؤمن به ، فقد وصف أن خلقهما إذن على باطل ، وذلك الفعل الذي ذكرنا يكون في ترك الإيمان بالبعث وفي جحد الرسالة ؛ لأن المحاسن لا بد من أن يكون لها عواقب ، وكذلك المساوئ ، ثم تمر هذه الدار على المسئ والمحسن مرّا واحدا ؛ فلا بد من أن يكون بعده دار أخرى فيها تتبين مرتبة المحسن ومذلة المسئ ، فما لم يؤمن بالبعث فهو لا يجعل للمحاسن والمساوئ عواقب ، وسوى بين مرتبة المسئ ومرتبة المحسن ، وذلك عبث . والثاني : أن من عرف أنه لم يخلق عبثا ، ولا يترك سدى ؛ فلا بد لمثله من أن يرغب ويرهب ، ويؤمر وينهى ؛ ولا يعرف ذلك إلا بالرسول ، فالضرورة أحوجت إلى رسول « 2 » ، يبين لهم ما يأتون وما يتقون ، وما يرغبون في مثله ، وعما يحذرون ، فمن أنكر الرسالة فقد أهمل نفسه عن المرغوب والمرهوب ، وعن الأمر والنهي ، وذلك حال من خلق سدى . وقوله - عزّ وجل - : أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى : فالوجه فيه أن كل أحد يعلم أن نشوءه كان من نطفة ، وتلك النطفة لو رئيت موضوعة على طبق ، ثم اجتمع حكماء الأرض على أن يقدروا منها بشرا سويا كما قدره الله - عزّ وجل - في تلك الظلمات ، لم يصلوا إليه أبدا وإن استفرغوا مجهودهم « 3 » وأنفدوا حيلهم
--> ( 1 ) زاد في ب : فقوله . ( 2 ) زاد في ب : الله . ( 3 ) في أ : بجحودهم .